#لست_عاديا
قحطان الصيادي
ولدتَ لتؤثر، لا لتتأثر: لماذا لستَ شخصاً عادياً
هل سبق وشعرت بذلك الثقل؟ ذلك الاحتكاك الداخلي المزعج وأنت ترى الروتين المدمر يطحن الأيام، والفوضى تتسيد المشهد، واللامسؤولية ترسم ملامح الواقع، هل شعرت يوماً أنك تصرخ من الداخل في وجه التخلف والقبول السلبي للأخطاء؟
إذا كانت إجابتك "نعم"، فهذا المقال لك.
هذا الشعور ليس "تذمراً" سلبياً، أو انتقادا هداما، بل هو البوصلة التي تشير إلى جوهرك، إنه الدليل القاطع على أنك لست شخصاً عادياً.
الشخص العادي، كما يجب أن تفهمه بدقة، يقبل بالواقع، و يتكيف مع الركود، ويصبح جزءاً من الضجيج، إنه يتأثر بالظروف، لكنه نادراً ما يؤثر فيها، أما أنت، فرفضك الداخلي لهذا الواقع هو الشرارة الأولى لكل تغيير عظيم.
1. العادي يتبع الطريق، والمختلف يرسمه
أن تكون "عادياً" هو الخيار الأسهل، إنه السير في طريق ممهد لا يتطلب جهداً أو تفكيراً نقدياً. لكن هذا الطريق المريح نادراً ما يؤدي إلى وجهة ذات معنى، فالشخص الذي بداخله قناعة بأنه "ليس عادياً" مختلفا ليس متخلفا يدرك أن قيمته لا تكمن في اتباعه للقطيع، بل في قدرته على رسم مساره الخاص.
إنه يدرك الحقيقة التي لخصها الفيلسوف الأمريكي رالف والدو إمرسون:
"إن العالم يفسح الطريق للمرء الذي يعرف إلى أين هو ذاهب."
الشكوى من الفوضى هي الخطوة الأولى نحو تنظيمها، والضجر من الروتين هو الدافع الأول للابتكار.
فلست مهزوما ما دمت تقاوم كل شيء سلبي حولك..
عندما تكون أكثر لمعانا منهم، وأكثر أثرا وإدراكا للواقع، يظهر الناقمون حولك لإحباطك...فلا تترك مجالا لهم أبدا....

فالنور يخفي أي ظلام...
2. المجانين الذين يغيرون العالم
الشخص العادي يرى الفوضى فيستسلم لها، أما أنت، فترى الفوضى كـ "فرصة" لإعادة الترتيب، هذا ما يميز المبدعين والمؤثرين. إنهم لا يرون الواقع كما هو، بل كما يجب أن يكون.
قد ينظر إليك البعض على أنك "صعب" أو "مثالي" أو حتى "مجنون" لأنك ترفض القبول بما هو قائم، احتفِ بهذه النظرة، فهي شهادة على اختلافك.
لقد لخص ستيف جوبز هذه الفكرة ببراعة في الحملة الإعلانية الشهيرة لشركة آبل:
"إليكم المجانين، غير الأسوياء، المتمردين، مثيري المتاعب... إن الأشخاص الذين يرون الأشياء بشكل مختلف... هم الذين يغيرون الأشياء، إنهم يدفعون الجنس البشري إلى الأمام."
* المصدر: حملة "Think Different" (فكّر باختلاف) لشركة آبل عام 1997.
اللامسؤولية التي تزعجك، هي بالضبط ما يدفعك لتكون أنت "المسؤول" والتخلف الذي تنتقده، هو ما يحفزك لتكون أنت "رائد التقدم".
3. الاختيار بين أن "تتأثر" أو "تؤثر"
يكمن الفرق الجوهري في "مركز التحكم"، الشخص العادي هو "نتاج ظروفه"؛ راتبه يحدد مزاجه، والطقس يحدد نشاطه، وآراء الناس تحدد قيمته، لإنه "يتأثر".
أما الشخص غير العادي، فهو يقرر أن يكون "نتاج قراراته" إنه يختار الاستجابة بدلاً من رد الفعل.
هذا هو جوهر ما علّمه خبير التنمية والقيادة ستيفن كوفي حين قال:
"أنا لست نتاج ظروفي، أنا نتاج قراراتي."
عندما تتذمر من اللامسؤولية، فأنت في الحقيقة تعلن قرارك الداخلي بأن "تكون مسؤولاً"وعندما ترفض الفوضى، فأنت تقرر أن "تكون المنظِّم".
لا تخمد هذا الصوت
ذلك الصوت في داخلك الذي يرفض الرداءة ليس مشكلة، إنه هبة، إنه محرك الإبداع، ووقود التغيير، العالم لا يتقدم بفضل أولئك الراضين بكل شيء، بل بفضل أولئك الذين يزعجهم القصور، فينهضون لإصلاحه.
لا تسأل كيف يمكن التخلص من هذا الشعور المزعج، بل اسأل كيف يمكن استخدامه، لا تدع العالم يطفئ هذه الجذوة ويحولك إلى شخص "عادي".
وكما قال الفيلسوف والناشط هوارد ثورمان:
> "لا تسأل نفسك ما يحتاجه العالم، اسأل نفسك ما يجعلك تنبض بالحياة، ثم اذهب وافعله، لأن ما يحتاجه العالم هو أناس ينبضون بالحياة."
شعورك بالاستياء من الروتين والفوضى هو دليلك على أنك "تنبض بالحياة"، لا تكتفِ بأن تتأثر بهذا الواقع... انهض وكُن أنت المُؤثر
دعك ممن لا يعرف قدرك، أو يستخف بك، وقل دائماً: "أنا فريد ومميز ونادر جداً"
إن هذا الاختلاف هو سمة القادة والرواد، وهم قلة، إن الصفات القيادية والقدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون ليست متاحة للجميع، الكثرة ليست معياراً للصواب، فالقرآن الكريم يوضح في مواضع عديدة أن "أكثر الناس" قد لا يكونون على المسار الصحيح:
* قال تعالى: "وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ" (يوسف: 103).
* وقال أيضاً: "وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ" (الأنعام: 116).
* وفي موضع آخر: "وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" (الأعراف: 187).
فلا تستوحش طريقك لقلة سالكيه، فطريق القمة دائماً ما يكون أقل ازدحاماً....